![]() |
فزاعة! قصة قصيرة | #3
فزاعة! وقف الفلاح أمام ما صنعته يداه، كانت فزاعة مهيبة صنعها من بقايا ملابس وبعض القش، وضع قبعة قبيحة ممزقة أعلاها لتعطيها مظهراً بشرياً مصطنعاً. سحبها ورفعها في منتصف الحقل لتمنع الطيور والحيوانات من الاقتراب من زرعه. كان فخوراً بما صنعه رغم قبحها، رأى أنها تحفة فنية فيها كل المقومات لتؤدي عملها باتقان وجودة منقطعة النظير. سكب لنفسه بعض الشراب وجلس إلى جوارها يتأملها بزهو، قال محادثاً لها: "يا لك من فزاعة استثنائية! إن مدى قبحك هو ميزتك الحقيقية التي ستنقذ محصولي من الهلاك." رفع كأسه ليشرب نخبها، ضحك بغرور ثم غادر الحقل ليترك الفزاعة تقوم بدورها كما ينبغي لها. كان أكيداً أنها ستفعل ما يُملى عليها بالضبط، ستكون نجمة الشهر وحديث القرية، وباقي الفلاحين سيكون محط أنظارهم وحسدهم على الأغلب. لم ينفك عن تأملها من على الشرفة المطلة على حقله. وهذا ما كان يفعله لمدة أسبوع، يحتسي الشراب عند فزاعته، يتحدث لها ببعض أفكاره يوجه لها أوامره الصارمة ويحكي لها عن بعض الحيوانات المزعجة ثم يغادر، يتأملها من على الشرفة طول الوقت حتى يخلد لنومه وقد علق عليها آماله الكبيرة. استيقظ فجر يوم واتجه لحقله كعادته، كانت الصدمة ما حدث رؤية عبث بعض الحيوانات بمحصول الملفوف بضعة حبات التهمتها الارانب وافسدتها. رفع قبعته في دهشة وأسى، نظر لفزاعته ينتظر تفسيراً لكنها كانت تعطيه ظهرها. شعر بالغضب، اقترب منها وواجهها، احتاج إلى تفسير لما حدث هنا. "وضعت فيك كل المقومات التي تكفي لتكوني مخيفة، لتصدي عن حقلي كل حيوان بشع يفسده!" كان يصرخ بغضب، وسريعا قرر أن يستأصلها هذه الفاشلة. غادر للبحث عن فأسه، والأفكار تعبث بعقله، كيف لموقف كهذا أن يحدث؟ كيف لهذه الفزاعة أن تفعل خطأ رهيباً مثل هذا؟ هل كان صعباً أن تحمي المزرعة؟ كل ما كان عليها فعله الوقوف هناك والمراقبة، لكن فجأة استوعب ما حدث، فهم أين الخطأ الرهيب الذي لم ينتبه له، لذا توقف عن البحث، قرر أن يهدأ. لم يكن ذنب الفزاعة أنها لا تستطيع الالتفات لترى ما يحدث خلفها. هكذا برر ماحدث. هز رأسه باقتناع لهذه الفكرة، كيف اتوقع منها أن ترى الحقل كله، غاب لبرهة ثم عاد وهو يحمل في يده قرصين كبيرين بلون اسود، وبخيط وإبرة بدأ يثبتهما في الجهة الخلفية من رأس الفزاعة، لتبدوا كأنهما عينان ضخمتان تنظران نحو الجهة الأخرى من الحقل. تنهد برضا وهو يرى فكرته اللامعة وتنفيذها المتقن. أكمل مهامه اليومية في الحقل، وجلس إلى جوار فزاعته، احتسى مشروبه ككل يوم، ثم غادر. في الغد، كان على يقين أن خطأ الأمس لن يتكرر اليوم. كانت خطته محكمة وتحسيناته مدروسة، لذا لم يتفقد حقله بل اتجه سريعاً إلى المدينة ليلحق باجتماع الفلاحين الشهري. لم يكن ليفوت لحظة من ذلك الاجتماع والذي يتوقع فيه مديحاً جليلاً لفزاعته العظيمة. سار الاجتماع كما أي اجتماع، يسوده الملاحظات والنصائح والتحذير من بعض الآفات وطرق مكافحتها، لكن أحداً لم يتحدث عن فزاعته. لابد وأنهم فعلوا ذلك عن عمد، لا يريدون له أن يسرق الأضواء منهم. ولم يكن ليسمح بهذا التجاهل والإهانة المقصودة لعمله الاستثنائي، لذا نهض من كرسيه وطلب الإذن بالتحدث، سُمح له بذلك. "أريد الإشارة إلى عملي العظيم والاستثنائي، وطريقتي البسيطة وغير المكلفة والداعمة والفعالة بنسبة مئة في المئة على مقاومة كل أنواع المشاكل الزراعية." أنصت الجميع باهتمام بالغ لهذه الافتتاحية الملفتة. رغم أن هناك من أطلق همهمات تهكمية، لكن كان الإنصات سيد المجلس. عندما رأى أنه حاز على انتباههم الكامل، قال بكل ثقة وزهو: "صنعت فزاعة لا مثيل لها، قادرة على تخليصكم من كل المضار والغزو الحيواني." سكت لبرهة منتظراً تصفيقاً من الجماهير، لكن أحداً لم يفعل، بدأ ذلك يوتّره. حاول الحفاظ على جأشه. وأكمل: "لهذا أدعوكم لحقلي جميعاً حتى تتمكنوا من رؤيتها وتحكموا بأعينكم." تبادل الجميع نظرات لم يستطع الفلاح تمييز معناها. قال قائد الجلسة: "إن كلامك جميل، ولكن هل تعطينا مواصفاتها؟ هل تعمل بتقنية معينة؟ هل تبعث أي ذبذبات كهرومغناطيسية؟ أو تطلق أشعة راديوية؟ أو تعتمد على موجات صوتية؟ ما الذي تفعله بالضبط؟" كانت الأعين على الفلاح تنتظر منه شرحاً. "فزاعة ملابس." ضج المكان بالضحك والسخرية، وقلة شعروا بالضيق: من سمح لهذا الأخرق بالحديث؟ وقف الفلاح منزعجاً غاضباً، يشعر أن هناك مؤامرة تدور عليه لتحبط من مجهوداته وأعماله. لم يقبلوا أن يسرق الأضواء منهم أن يكون محط اهتمام والفضل في انقاذ المحصول، لذا غادر المكان سريعاً عائداً لحقله. سيجعلهم جميعاً عبرة، سيتفوق في محصوله، ونسبة التلف ستكون صفراً، ويكسب المال ليشتري الحقول كلها، ويجبر جميع الفلاحين على الاعتراف بفزاعته الثمينة. ما إن وصل للمكان حتى اتجه ناحية فزاعته ليشكو لها ما حدث، لكن هناك مصيبة وقعت: الحقل يغزوه قطيع من الحيوانات البرية. التهمت الخضار كلها، أفسدت كامل المحصول. ركض الفلاح وأخذ بندقيته، أطلق طلقات في الهواء لتهرب من الدوي المزعج جميع الحيوانات. كان الحقل قد تحول إلى خراب، الفزاعة في مكانها لم يحدث لها شيء كانت تراقب بصمت ولم تفعل شيء. صاح بها: "ما الذي يحدث معك؟ لقد صنعتك بإتقان! لم تستطيعي أن تحمي محصولي؟ هل هناك من أثّر عليك؟ هل خدعوك لتنقلبي عليّ لتظهري فشلي؟ هل يسعدك هذا الدماى؟ أنفقت فيك كل ما أستطيع، منحتك كل نصائحي، هل أنتِ راضية بما حدث؟ راضية بإظهار فشلي؟ يا لك من خائنة متواطئة، سيكون مصيرك النفي!" أخذ مشعلاً، أوقد فيه النار ورماه أسفل الفزاعة، ثم جلس تحتها يتأملها تحترق وتلتهمها النار ببطء، وقد اعتراه الحزن والألم، فقد تعرض لخيانة بئيسة، وقد أحب هذه الفزاعة، منحها مكانة مميزة، وأوكلها مهمة خاصة، توقع منها الكثير لحماية محصوله وسمعته، والمزرعة التي يعيش عليها، لكنها خانته، لذا استحقت الحرق. تمت ملهم3 |
رد: فزاعة! قصة قصيرة | ملهم3 .. المشارك السادس
قصة مشوقة وطويلة مقارنة بالبقية
شكرا على المشاركة الطيبة |
رد: فزاعة! قصة قصيرة | ملهم3 .. المشارك السادس
قصتك جميلة جدًا ورائعة ماشاء الله
ربما كل شخص يقرأه بنظرة مختلفة لكني رأيت الفلاح لم يكن مجرد شخص يزرع المحصول بل كأنه شخص حمل حلمًا كبيرًا بداخله والفزاعة كانت بمثابة خطة عمل عليها وصنعها بحماس وعلّق عليها اماله بالنجاح لكن خطته فشلت في الاخير والمحصول أُفسد وللاسف وضع الخطأ على الفزاعة واشعل فيه النار كمن يحرق حلمه بيده دون ان يتحلى بالصبر ويعمل على تطويره ويتعلم من خطأه ابدعت جدًا سلمت ويعطيك العافية يارب ~ |
رد: فزاعة! قصة قصيرة | ملهم3 .. المشارك السادس
اكبر خطأ انك تعتمد على شخص لعمل يفترض ان يقوم به الف الف شخص
انك تحط كل الحمل و الثقل على شيء جامد هامد صنعته بيديك من غير ما تكون مساعد او مراقب لعمله و تحط كل الامل فيه انو هو اللي بيكون الحامي و اللي بيقوم بكل الشغل لك و انت واقف تتفرج و تتوقع نجاحك و كفاحك يلاقي الاعجاب من الجميع و المدح اي عمل و حلم يحتاج الى جهد و كفاح و مثابرة و تطوير و ابتكار ودراسة ايش السلبي ايش الايجابي ايش المفروض اعزز فيه و اطور من و انقص العيوب و السلبيات بـ اضافة اشياء تعزز فيه و تطورة بشكل ايجابي و عملي لي بدرجة اولى و بعدين لغيري و لما يكون في فشل شيء طبيعي انك ما كافحت وتحركت في تطوير عملك اكتفيت بالاعجاب و الفخر بـ عمل دون تطوير و شغل و تعب عليه و اكتفيت بالاخير بالسلب و حملته سبب الفشل اللي كنت انت السبب فيه و اخر شيء احرقته يعطيك العافية ايها الكاتب على القصة الجميلة و اللي تحمل اهداف كثيرة علينا ان نستسقيها منها بالتوفيق لك يارب |
رد: فزاعة! قصة قصيرة | ملهم3 .. المشارك السادس
القصه حزنتني واجد
اول شي الي حزني فيها كانت الثقه العمياء الي وكلها للفزاعه اي هو وثق فيها ثقه عمياء شرح لها تفاصيل شرح لها كل شي وجلس جنبها وشرب شاهيه اظن كذا وكان يشوفها من شرفته وكان واثق بتقوم بالمهمه ويوم جا اليوم الثاني ولقا الحيوانات تاكل انصدم وراح لها يبي يهاوشها وحس فيها انها ماشافت من وراها وحطا لها عيون هو حاول بعد ثاني مره يهدا ويحط امله فيها ترا صدق اوجعني انه متامل فيها كل شي ء وهم حاسدينه عليها هو كذا تفكيره بس هي حتى وهي فزاعه كانت مهمتها كبيره انها تشوف الحقل كامل وبعدين توققعت يزيد العدد بس خلاها لحالها ويوم راح اجتماعه كانت ثقته العمياء مخليتته يقننع ان هذه المره بتنجح ولما ضحكوا عليه فالاجتماع ماصدقهم واراح يوريهم ان فزاعته بتحمي الحقل ابهرني فيه حتى وهو يتكلم ان يتكلم من قلب فزاعتي هي احسن اختراع ولما درا ان الحيوانات كلو من اكل الحقل وعصب وطلع بندقتيه الي تطلع اصوات عاليه عكس فزاعته الصامته المعلقه وراح وحرقها بعد ما كان يسولف معها عند الحقل مدري وقف الفزاعه خلاني اششوفها مرته مو ب فزاعه وحقله هو حياته كامله حطاها ف ظهرها وحتى لما الناس انقلبت عليه الي هم الحيوانات راح لام مرته وحرقها ورغم انها فزاعته الي هي في مخي مرته الي موكلها تشوف حياته ماصبر على غلطت البشر الي تدخلوا بحياته وقاموا يتدخلون وياكلون منها راح لمرته وعصب عليها ابداع ياكاتب ابداع يفوق الوصف دمتم ودام ابداعك زاهيا بين ارجاء المنتدى لك خالص شكريي وتقديري في امان الله وحفظه |
رد: فزاعة! قصة قصيرة | #3
القصة مشوقة جدًا تدفعك للمواصلة بسرعة
لمعرفة ماذا سيحدث لاحقًا رغم أنها تتمحور حول فزاعة لم تجدي نفعًا لكنها ربما تشبه مشاعرنا وأحلامنا التي كنا نضع عليها أمالنا بعد جهد ثم تُخيب أملنا أجواء القصة ذكرتني برواية الروع لزهران القاسمي المحتوى والفكرة مختلفة قليلًا لكن جو الفزاعة وماذا يحدث يشبهها بالشعور لذلك أوصيك بقراءتها سلم قلمك |
| الساعة الآن 11:37 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~